الشيخ محمد رشيد رضا
270
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا ) لا يحملنكم بغضهم وعداوتهم لكم أو بغضكم وعداوتكم لهم على ترك العدل فيهم ، فالعدل بالمساواة أقرب إلى تقوى اللّه ، وأنذر تارك العدل للشنآن بمثل ما انذر به تاركه للمحاباة ، أنذر كلا منهما بأن اللّه خبير بما يعمله لا يخفى عليه منه شيء ، فهو يحاسبه على عمله وعلى نيته وقصده منه ، فيثيبه أو يعاقبه على ما يعلم من امره فالعدل هو الميزان في قوله تعالى ( 42 : 17 اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ ) وقوله ( 57 : 25 لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ، وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ) الآية : فخير الناس من يصدهم عن الظلم والعدوان هداية القرآن ، ويليهم من يصدهم العدل الذي يقيمه السلطان ، وشرهم من لا علاج له إلا السيف والسنان ، وهو المراد بالحديد فقوام صلاح العالم بالايمان بالكتاب الذي يحرم الظلم وسائر المفاسد فيجتنبها المؤمن خوفا من عذاب اللّه في الدنيا والآخرة ورجاء في ثوابه فهما ، وبالعدل في الاحكام الذي يردع الناس عن الظلم بعقاب السلطان ويؤيد قاعدة إقامة العدل ما ورد في تحريم الظلم والوعيد الشديد عليه . فقد ذكر الظلم في مئات من آيات القرآن أسوأ الذكر ، وقرن في بعضها بأسوأ العواقب في الدنيا والآخرة ، وان الجزاء عليه فيهما اثر لازم له لزوم المعلول للعلة والمسبب للسبب ، وان الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ) ومن اثره وعاقبته في الدنيا انه مهلك الأمم ومخرب العمران . قال تعالى ( وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ) اي ما كان من شأنه ولا من سنته في نظام الاجتماع ان يهلك الأمم بظلم منه لهم ، أو بشرك به يقع منهم ، وهم مصلحون في سيرتهم وأعمالهم ، وإنما يهلكهم بظلمهم وإفسادهم ، كما قال ( وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً ) وقال في الاحكام ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ورد هذا في حكم القصاص ،